ابن عطية الأندلسي
431
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
قوله تعالى : [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 40 ] قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ( 40 ) اختلف المفسرون لم قال زكرياء رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ فقال عكرمة والسدي : إنه نودي بهذه البشارة ، جاء الشيطان يكدر عليه نعمة ربه فقال هل تدري من ناداك ؟ قال : نادتني ملائكة ربي قال بل ذلك الشيطان ولو كان هذا من عند ربك لأخفاه لك كما أخفيت نداءك قال : فخالطت قلبه وسوسة وشك مكانه ، فقال : أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وذهب الطبري وغيره إلى أن زكرياء لما رأى حال نفسه وحال امرأته وأنها ليست بحال نسل سأل عن الوجه الذي به يكون الغلام ، أتبدل المرأة خلقتها أم كيف يكون ؟ قال الفقيه أبو محمد : وهذا تأويل حسن يليق بزكريا عليه السلام وقال مكي : وقيل إنما سأل لأنه نسي دعاءه لطول المدة بين الدعاء والبشارة وذلك أربعون سنة . قال الفقيه أبو محمد : وهذا قول ضعيف المعنى ، و أَنَّى معناها كيف ومن أين ، وقوله بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ استعارة كأن الزمان طريق والحوادث تتساوق فيه فإذا التقى حادثان فكأن كل واحد منهما قد بلغ صاحبه وحقيقة البلوغ في الأجرام أن ينتقل البالغ إلى المبلوغ إليه ، وحسن في الآية : بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ من حيث هي عبارة واهن منفعل وبلغت عبارة فاعل مستعل ، فتأمله ولا يعترض على هذا بقوله : وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا [ مريم : 8 ] لأنه قد أفصح بضعف حاله في ذكر العتيّ ، والعاقر الإنسان الذي لا يلد ، يقال ذلك للمرأة والرجل ، قال عامر بن الطفيل : لبئس الفتى إن كنت أعور عاقرا * جبانا فما عذري لدى كل مشهد ؟ و « عاقر » بناء فاعل وهو على النسب وليس بجار على الفعل ، والإشارة بذلك في قوله : كَذلِكَ اللَّهُ ، يحتمل أن تكون إلى هذه الغريبة التي بشر بها أي كهذه القدرة المستغربة هي قدرة اللّه ، ففي الكلام حذف مضاف ، والكلام تام في قوله : كَذلِكَ اللَّهُ وقوله : يَفْعَلُ ما يَشاءُ شرح الإبهام الذي في ذلك ، ويحتمل أن تكون الإشارة بذلك إلى حال زكرياء وحال امرأته كأنه قال : ربّ على أي وجه يكون لنا غلام ونحن بحال كذا ؟ فقال له : كما أنتما يكون لكما الغلام ، والكلام تام على هذا التأويل في قوله : كَذلِكَ وقوله : اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ جملة مبينة مقررة في النفس وقوع هذا الأمر المستغرب . قوله تعالى : [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 41 ] قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ ( 41 ) « الآية » العلامة ، وقال الربيع والسدي وغيرهما : إن زكرياء قال : يا رب إن كان ذلك الكلام من قبلك والبشارة حق ، فاجعل لي علامة أعرف صحة ذلك بها ، فعوقب على هذا الشك في أمر اللّه ، بأن منع الكلام